فخر الدين الرازي
149
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
لأنه قرن به قوله : وَلَيالٍ عَشْرٍ ولأنه أول شهر هذه العبادة المعظمة الثالث : المراد فجر المحرم ، أقسم به لأنه أول يوم من كل سنة وعند ذلك يحدث أمورا كثيرة مما يتكرر بالسنين كالحج والصوم والزكاة واستئناف الحساب بشهور الأهلة ، وفي الخبر « إن أعظم الشهور عند اللّه المحرم » ، وعن ابن عباس أنه قال : فجر السنة هو المحرم فجعل جملة المحرم فجرا ورابعها : أنه عنى بالفجر العيون التي تنفجر منها المياه ، وفيها حياة الخلق ، أما قوله : وَلَيالٍ عَشْرٍ ففيه مسألتان : المسألة الأولى : إنما جاءت منكرة من بين ما أقسم اللّه به لأنها ليال مخصوصة بفضائل لا تحصل في غيرها والتنكير دال على الفضيلة العظيمة . المسألة الثانية : ذكروا فيه وجوها أحدها : أنها عشر ذي الحجة لأنها أيام الاشتغال بهذا النسك في الجملة ، وفي الخبر ما من أيام العمل الصالح فيه أفضل من أيام العشر وثانيها : أنها عشر المحرم من أوله إلى آخره ، وهو تنبيه على شرف تلك الأيام ، وفيها يوم عاشوراء ولصومه من الفضل ما ورد به الأخبار وثالثها : أنها العشر الأواخر من شهر رمضان ، أقسم اللّه تعالى بها لشرفها وفيها ليلة القدر ، إذ في الخبر « اطلبوها في العشر الأخير من رمضان » ، وكان عليه الصلاة والسلام ، إذا دخل العشر الأخير من رمضان شد المئزر ، وأيقظ أهله أي كف عن الجماع وأمر أهله بالتهجد ، وأما قوله : وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ففيه مسألتان : المسألة الأولى : الشفع والوتر ، هو الذي تسميه العرب الخسا والزكا والعامة الزوج والفرد ، قال يونس : أهل العالية يقولون الوتر بالفتح في العدد والوتر بالكسر في الذحل وتميم تقول وتر بالكسر فيهما معا ، وتقول أوترته أوتره إيتارا أي جعلته وترا ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : « من استجمر فليوتر » والكسر قراءة الحسن والأعمش وابن عباس ، والفتح قراءة أهل المدينة وهي لغة حجازية . المسألة الثانية : اضطرب المفسرون في تفسير الشفع والوتر ، وأكثروا فيه ، ونحن نرى ما هو الأقرب أحدها : أن الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة ، وإنما أقسم اللّه بهما لشرفهما أما يوم عرفة فهو الذي عليه يدور أمر الحج كما في الحديث « الحج عرفة » ، وأما يوم النحر فيقع فيه القربان وأكثر أمور الحج من الطواف المفروض ، والحلق والرمي ، ويروى « يوم النحر هو يوم الحج الأكبر » فلما اختص هذان اليومان بهذه الفضائل لا جرم أقسم اللّه بهما وثانيها : أن أيام التشريق أيام بقية أعمال الحج فهي أيام شريفة ، قال اللّه تعالى : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [ البقرة : 203 ] والشفع هو يومان بعد يوم النحر ، الوتر هو اليوم الثالث ، ومن ذهب إلى هذا القول قال : حمل الشفع والوتر على هذا أولى من حملهما على العيد وعرفة من وجهين الأول : أن العيد وعرفة دخلا في العشر ، فوجب أن يكون المراد بالشفع والوتر غيرهما الثاني : أن بعض أعمال الحج إنما يحصل في هذه الأيام ، فحمل اللفظ على هذا يفيد القسم بجميع أيام أعمال المناسك وثالثها : الوتر آدم شفع بزوجته ، وفي رواية أخرى الشفع آدم وحواء والوتر هو اللّه تعالى ورابعها : الوتر ما كان وترا من الصلوات كالمغرب والشفع ما كان شفعا منها ، روى عمران بن الحصين عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « هي الصلوات منها شفع ومنها وتر » وإنما أقسم اللّه بها لأن الصلاة تالية للإيمان ، ولا يخفى قدرها ومحلها من العبادات وخامسها : الشفع هو الخلق كله لقوله تعالى : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ [ الذاريات : 49 ] وقوله : وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً [ النبأ : 8 ] والوتر هو اللّه تعالى ، وقال بعض المتكلمين : لا يصح أن يقال